الشيخ عبد الغني النابلسي
52
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
الحياة الدنيا فإنهم ينظرون إلى ظاهر هذا الكتاب وهم عن آخرتهم غافلون ، وإذا كان اللّه تعالى المنزه عن كل نقصان وقع في قلوب الجاهلين سوء الظن به كما قال تعالى : الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [ الفتح : 6 ] فكيف بهذا الكتاب واللّه أعلم بالصواب . والقصور العالية ليست مبنية لسكنى الحمير والدواب بل لهم الحضيض الأسفل من الساحات والأعتاب وأن يربطوا في الأبواب . ( ثم منّوا ) ، أي أحسنوا وأسعفوا وتكلموا ( به ) ، أي بما فهمتم مفصلا من مجمل هذا الكتاب ولا تكتموا شيئا منه ( على طالبيه ) إذا وجدتموهم ( لا تمنعوا ) ذلك عنهم كما قيل : لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم . وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ( 159 ) [ البقرة : 159 ] الآية . وقال الشيخ محيي الدين رضي اللّه في معشراته : بينوا أمرنا لكل لبيب * في كتاب إن شئتم أو خطاب غير أن الإنسان إذا لم يجد طالبا لذلك ، أو وجد جاهلا منتقدا على ما هنا لك ، فليكتم ما عنده صيانة لأسرار اللّه تعالى أن يعبث بها الجاهلون ويخوض فيها المغرورون . وهذا كله فيمن بقي مع نفسه ، وأما المغلوب بحاله فهو مع الوقت كيف كان والحق مستولي على قلبه ولسانه ، فلا حرج في كل آن وباللّه التوفيق والمستعان . ( هذه ) ، أي الحضرة الإلهية التي فصلتموها بأفهامكم من مجمل هذا الكتاب وجمعتموها في بصائركم المنوّرة هي ( الرحمة ) الربانية ( التي وسعتكم ) وجميع المخلوقات كما قال تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] ، ( فوسّعوا ) بها على عباد اللّه تعالى بهذه الطريقة التي شرحتها لكم في هذا الكتاب ولا تضيقوا على أحد منهم ، واعلم أن اللّه تعالى من حيث هو في ذاته موصوف بصفات لا نهاية لها ، كلها غيب مطلق عنا ، وكل صفة منها ، في حال اتصافه بها يتصف بكل صفة غيرها اتصافا مخصوصا لائقا بتلك الصفة ، فكل صفة لها كل صفة على وجه مخصوص ، ولم يظهر من صفاته تعالى من حيث هو في ذاته إلا صفة الرحمة ، وباقي الصفات كلها من حيث هو متصف بها في ذاته لم يظهر منها شيء ، فجميع العوالم ما كان منها وما لم يكن إنما هو موجود كائن في حضرة صفة الرحمة فقط . وأما في باقي حضرات صفاته تعالى فلا وجود لشيء مطلقا ولا يكون ذلك أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ولا يمكن ذلك إذ باقي الأوصاف غير الرحمة لا يثبت معه شيء فلا يوجد معه شيء .